אסעד גאנם.
Below are share buttons

حوار مع بروفيسور أسعد غانم من قسم العلوم السياسية، جامعة حيفا

גיליון 04,

بروفيسور أسعد غانم، محاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا، وباحث مخضرم متخصّص في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل وخارجها وعلاقاته مع دولة إسرائيل. التقينا لمحادثة بعد انقضاء شهر على عملية “الجرف الصامد” ضدّ قطاع غزة في محاولة لفحص كيفية تأثير الحرب على العلاقات بين مواطني إسرائيل العرب واليهود.

– هنالك إحساس في الجمهور والإعلام بأنَّ هذه الحرب، أكثر من الأحداث العنيفة الماضية، قد أثّرت سلبًا على العلاقات، وتعالت خلالها الأصوات المتبادلة المتطرّفة وعزّز أكثر فأكثر الغربة بين السكّان اليهود والعرب. هل تشعر أنت كذلك بهذا في الواقع؟

لا يمكن إنكار التطرّف في العلاقات في أعقاب الحرب، ولكن في نفس الوقت لا يمكن تجاهل ما سبقه من مظاهر وعمليات طرأت في السنوات الأخيرة. كل ما يحدث حاليًا يمكن العثور على شبيه له في السنوات الماضية، منذ صعود أحزاب اليمين إلى الحكم: ظواهر العنصرية، طرح مشاريع قوانين وتشريعات ضدّ السكان العرب، وإضفاء الشرعية على خطاب عدائي. ومن الجانب الآخر، فقد تطوّر في الجانب العربي منذ أحداث أكتوبر 2000 خطاب قومي يدعو إلى الانطواء والانعزال.

هنالك يمين جديد في إسرائيل. إنه ليس يمين مناحيم بيغن الذي أحدث بالفعل تغييرات سياسية ولكنه لم يجتهد في تغيير الهيمنة. لقد ظهر اليمين الجديد في أعقاب أوسلو أكثر عنفًا ويسعى إلى السيطرة على الإعلام ودور القضاء. تقوى شوكة المعسكر على يمين نتنياهو، ويتحوّل المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين أكثر فأكثر.

– ما هي الأسباب التي تقف خلف ذلك برأيك؟

يمكن الإشارة إلى ثلاثة عوامل أساسية مؤثّرة: صعوبة حلّ الصراع مع الفلسطينيّين؛ تطوّرات ديمغرافية اجتماعية في المجتمع اليهودي؛ وتعزيز السياسة العربية داخل إسرائيل. لقد منحت اتفاقيات أوسلو شعورًا بأننا نحو حلّ الصراع، الأمر الذي خلق ردود أفعال في الطرفين: في الجانب الفلسطيني – رد فعل عنيف، عمليات تفجيرية تهدف إلى التشويش على هذا المسعى، أما في الجانب اليهودي من اليمين واليسار، فقد ساد مفهوم “لا شريك”، وتبنّي خطاب إيهود براك “إننا عرضنا لهم كل شيء” ولكنهم رفضوا. لقد عزّز هذا الخطاب معسكر اليمين وترك آثارًا على الفكر السياسي في اليسار، وحمل دلالات جدية تُرجمت إلى برنامج سياسي. وظهرت مخاوف مفادها أنه حتى لو أعدنا الضفّة ستبقى لنا المشكلة داخل إسرائيل؛ يستعمل اليمين ذلك كأداة ترهيب. وبالطبع فإنني لا أوافق مع هذا التحليل ولكنني أحاول أن أفهم المنطق الذي يقوم عليه.

وبخصوص التطوّرات الاجتماعية والديمغرافية في المجتمع اليهودي، فقد تبنّت القوى التي عارضت أوسلو واليسار – المتدينون والشرقيون والروس – مواقف وبرنامج سياسي يميني كجزء من جدول أعمالهم ضدّ هيمنة الإشكناز، وليس بالضرورة ضدّ العرب. وقد أدّى هذا التطوّر إلى تعزيز الصهيونية اليمينية والمتطرّفة في السنوات الأخيرة. تكمن مخاوفي في وصول اليمين إلى الهيمنة كتلك التي تمتّع بها سابقًا حزب مباي منذ الخمسينيات وحتى السبعينيات، وستمر سنين طويلة حتى ننجح بتطوير بديل معقول يتمتّع بتوجّه يختلف جوهريًا بشأن حلّ الصراع. وفي مقابل ذلك، فإنَّ تعزيز السياسة العربية داخل إسرائيل، والتي تجلّت بصورة خاصة في الإعلان عن الرؤية المستقبلية، قد رفعت سقف المخاوف بين القيادات والجماهير اليهودية.

– ماذا يمكن فعله لتجديد خطاب السلام والديمقراطية والتسامح في مقابل موجات التطرّف القومي؟

إذا رغب اليسار في الفوز يتعيّن عليه أن يقوم بتطوير توجّه مغاير كليًا عن ذلك السائد في اليمين. بخصوص حل الصراع، ليس هنالك اختلافات كبيرة حاليًا بين اليسار والليكود في مسائل جوهرية مثل اللاجئين والقدس وكتل المستوطنات. إذا رغب اليسار في العودة إلى الحكم، يتعيّن عليه تطوير سياسة بديلة نحو السكّان العرب والإدراك بأنه من دونهم لا يستطيع تشكيل الائتلاف. يجب على أحزاب اليسار أن يعرضوا على السكّان العرب فرصة حقيقية وجدية للمشاركة في الحكومة، وحيت يتم تطوير خطاب صهيوني يقوم على المساواة ومستعد أن يقبل السكّان العرب كمتساوين – صهيونية محتوية محتضنة لا إقصائية، ويتيح الفرصة أمام العرب أن يتحوّلوا إلى شركاء على أساس جماعي ويأخذهم بالاعتبار – حينها فقط يستطيع اليسار أن يسعى إلى العودة إلى سدّة الحكم. لا ألاحظ لاعبين في الحلبة الإسرائيلية الحالية من يطرح مثل هذه الإمكانية ولا أعرف إذا كان يمكن أن يظهر طرفًا قريبًا يحمل مثل هذا الطرح، ولكن الأمر لا زال ممكنًا على الصعيد النظري.

– أين يمكن العثور على مثل هذا الاستعداد في السياسة العربية داخل إسرائيل؟ لماذا نسمع الممثلين السياسيّين العرب الكبار أكثر تطرفًا مما هم عليه في الحقيقة؟

إنَّ العنصر الآخر الذي أدّى إلى تعزيز اليمين هو سلوك السياسيّين العرب. يمكنني أن أشير إلى ثلاث مشاكل مركزية تميّز السياسة العربية في إسرائيل:

أ. العلاقة الإشكالية مع الحركة الوطنية الفلسطينية. لم تتعامل الأحزاب ولا السياسيون العرب بجدية بشأن كونهم جزءًا من هذه الحركة، وكرّروا على الدوام أسطوانة أنهم موافقون على ما تقبله منظمة التحرير الفلسطينية. صحيح أنَّ الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة لعبوا دورًا في تطوير فكرة “دولتان لشعبين”، ولكن نشهد في العقدين الأخيرين جمودًا ولم نشهد أي تغيّر أو تجديد في المواقف العربية. يتّفق غالبيتهم على فكرة “دولتان لشعبين” كما هي، بالرغم من التحوّلات الطارئة على الواقع. كذلك، فقد توقّف السكّان العرب عن الخروج في احتجاجات ضدّ الحروب كما كان في السابق. يتعيّن عليهم أن يكونوا فاعلين وناشطين أكثر؛ ويجب الخروج في مظاهرات واحتجاجات في قلب تل أبيب أيضًا وعدم اقتصار ذلك على كفرمندا أو سخنين فقط.

ب. تكمن المشكلة المركزية في التشرذم والانقطاع وعدم القدرة على استحداث مركز سياسي وبرنامج سياسي موحّد. هنالك تنافس على خلفية شخصية يؤدّي إلى حالات عبثية تتضمّن تصريحات ومواقف لا تساهم في التعامل مع المشاكل. هنالك ضرورة إلى تعزيز الوحدة الداخلية وإعادة بناء معنى القيادة المشتركة الجماعية القائمة على أسس توحِّد جميع التيارات، إذ إنّ جميع الأحزاب العربية تتّفق حول نحو 90% من المواضيع. إنَّ مواقفهم من الموضوعين الرئيسين – المساواة المدنية وحلّ الصراع – قريبة جدًا. صحيح أنَّ هنالك نقاش معين حول المواضيع الاجتماعية، ولكن بسبب وجودنا تحت المظلّة الإسرائيلية فإنَّ الحركات الإسلامية تدرك أنها لا تستطيع فرض نمط حياة وأمورًا أخرى تعارضها الدولة، مثل مدارس منفصلة للبنين والبنات، كما وليس هناك نقاش بين الأحزاب العربية حول قضية طبيعة المجتمع الذي نسعى إليه، إسلامي أم علماني. بالرغم من ذلك، لا أرى للأسف الشديد أنَّ القيادة الحالية مستعدّة أن تتوحّد. يبدو أنَّ هنالك ضرورة لنشوء جيل جديد يفكّر بالشأن العام لا أن يقتصر تفكيره على كيفية الحفاظ على مناصبه.

ج. وتكمن المشكلة الثالثة في الضرورة الحقيقية والإرادة داخل الجمهور العربي للنضال جنبًا إلى جنب مع قوى يهودية، ولكن ذلك غير قائم فعليًا. يتعيّن على السياسيّين العرب التوصّل إلى تفاهمات معينة مع قوى يهودية والنضال حولها. هنالك طاقة كامنة هائلة للشراكة لا يتم التعبير عنها. هذا هو السبيل الذي اقترحه بغية تحسين الوضع.

– ماذا يمكن فعليًا العمل بغية تغيير الوضع القائم؟ هل لديك اقتراحات عملية؟

برأيي، يجب التأكيد على تطوير بنيوي لأحيزة مشتركة من جانب الحكومة والمجتمع المدني وقطاع الأعمال. إنني أزور مراكز تجارية كبيرة في الشمال، وفي حالات عديدة لا يمكن التمييز بين من هو يهودي ومن هو عربي. إنَّ المدارس ثنائية اللغة (حيث تتعلمنّ بناتي على سبيل المثال) هي حلبة ممتازة للتعرّف المتبادل وإزالة الحواجز، إلاَّ أنَّ عددها ضئيل وغير كاف. إنَّ نحو 40% من الموظفين في المستشفيات الإسرائيلية من العرب، ولطالما ذكرت هذه الحقيقة بوصفها مثالاً ممتازًا لحيّز مشترك. كذلك أقترح إنشاء بلدات مشتركة. فقد أنشئت بلدات يهودية كثيرة جدًا وبالتقريب لم تنشأ أية بلدة عربية. بالفعل هناك ضرورة لإنشاء بلدات خاصّة للأشخاص النباتيّين واليهود المتزمّتين دينيًا على سبيل المثال، ولكن من واجب الدولة كذلك تشجيع إنشاء بلدات مشتركة وإقامتها. وهنالك ضرورة إلى تطوير برامج تربوية مشتركة، وكذلك وضع نشيد مشترك لليهود والعرب على الصعيد الرمزي. هنالك استعداد للمشاركة في المجتمع العربي، وهناك طاقة كامنة هائلة لا يتم التعبير عنها. إنَّ الغالبية الصامتة تنتظر أن يبادر أحد الأطراف لكي ينضموا إليه. وإلى جانب هذا الخطاب، هنالك بالطبع خطاب آخر يدعو إلى الانغلاق، ولكنني أعتقد أنه في حال توافر مبادرات كافية تقوم على تطوير أفكار بشأن التعاون الجدّي والشراكة يمكن التغلّب على هذا الخطاب الأخير.

– مَن برأيك يستطيع ويجب أن يقود هذه المبادرات؟

أولاً، كما أسلفت، إنها وظيفة الدولة، ولكن كما يجري في مجالات عديدة أخرى، فإنها في طور خصخصة الخدمات الممنوحة لمواطنيها، والقسم الأكبر يقع بالتالي على كاهل المجتمع المدني وقطاع الأعمال. هنالك بعض التنظيمات المشتركة التي تنشط بصورة ممتازة، ولكنهم كالصوت وسط الصحراء. إنني أحلم بإقامة مدرسة للقيادة المشتركة (مثل مدرسة مانديل للقيادة التربوية)، حيث يلتزم كل زوج من الخريجين بإقامة مشروع يهودي عربي معين. تخيّلي إقامة مئات المشاريع خلال خمس سنين قادمة – مراكز صناعية، وترفيه، وثقافة، وتربية وتعليم، ومراكز أخرى يكون أصحابها وزبائنها من بين اليهود والعرب. إنه أمر يمكن له أن يكسر الحواجز. لا يمكن الاكتفاء بالخطاب الأكاديمي والسياسي الذي يدعو إلى المساواة، وإنما هنالك حاجة لمبادرات مكثّفة حقيقية لتطوير فرص تعتمد المساواة لمستقبل أطفالنا.

– إننا أمام مجتمعين مختلفين تفصل بينهما كذلك فجوة اقتصادية. إنَّ المراكز التجارية التي تتحدّث عنها هي ملك ليهود وعامليها عرب يتقاضون الحد الأدنى من الأجور.

أعترف أنَّ غالبية رأس المال متوافر بأيادٍ يهودية، ولكن هنالك مراكز تجارية بملكية عربية أيضًا العمّال والزبائن فيها من بين اليهود، كما في يركا. وبما يتعلّق بالنشاط المشترك، هنالك ضرورة لتشكيل الحياة العربية الداخلية، فهي ممزّقة وضعيفة وعنيفة ولا تدار بصورة منطقية. تتسم السلطات المحلّية بالفساد والضعف في كافّة المجالات، ويتعيّن الاستثمار كذلك في هذا الأمر. كذلك، يجب الاستمرار بما قد بدأنا به بخصوص الرؤية المستقبلية – بلورة وجهة نظر ورؤية حول ما يريدونه السكّان العرب. حاولنا في الرؤية المستقبلية أن نقول كيف نرغب بتطوير مواطنتنا الإسرائيلية، كيف نقترح النضال بشأن طبيعة دولة إسرائيل لكي تتحوّل إلى مشتركة لكلا الشعبين. لم يفهمنا الجمهور اليهودي بصورة سليمة ووجّه سهام النقد ضدّ هذه الرؤية بدون وجه حق.

– وما هي رؤيتك بشأن حلّ الصراع؟ أنا على اطلاع كامل بأنك على مدار سنين طويلة تدعم شكل الدولة المدنية الواحدة حيث يتمتّع كل مجتمع فيها بحكم ذاتي وأنت تكتب بهذا الاتجاه.

على صعيد البرنامج السياسي المكتوب، فإنَّ غالبية التيارات السياسية العربية لا تزال تتحدّث عن دولتين لشعبين. ولكنني مسرور بأنَّ فكرة الدولة الواحدة تعلو إلى السطح أكثر فأكثر. هناك من يتساءل إن كان سليمًا على الصعيد السياسي الحالي التحدّث عن حلّ الدولتين. وكذلك يتساءلون في العالم حول ما إذا كان هذا الأمر ممكنًا أصلاً، وألمس تحوّلاً بين اليهود أيضًا. برأيي، إنَّ الحديث عن دولتين لا يفضي إلى شيء. إنَّ ما يمكن لنتنياهو أن يعرض على الفلسطينيّين غير مقبول عليهم. فها قد مضت عشرين سنة على اتفاقيات أوسلو ولم يتغيّر شيء، لا بل تدهور الوضع أكثر من ذي قبل. وقد آن الأوان لتغيير الاتجاه.

ظهر دومًا الادعاء بأنَّ انتهاء الصراع الخارجي سوف يؤدّي كذلك إلى حلّ قضية الفلسطينيّين في إسرائيل، وجميعنا ترعرعنا على هذه الفكرة. وأعتقد مؤخّرًا بأنَّ هذه الفكرة معكوسة – إذ إنَّ استحداث أنموذج داخلي ناجح يتضمّن الشراكة والتعاون اليهودي العربي داخل الخط الأخضر من شأنه المساهمة في حلّ الصراع. إذا ما طرأ تحوّلاً جديًا داخل إسرائيل ونجح العرب في إقناع جزء هام من اليهود بشأن ضرورة تطوير صهيونية مغايرة تقوم على المساواة، يمكننا حينها اقتراح إمكانية كهذه للفلسطينيّين في الضفّة الغربية وقطاع غزّة واللاجئين أيضًا. على هذا النحو يمكننا قيادة التغيير في الصراع الخارجي عبر التحوّل الداخلي.

– ونحن نشهد حاليًا العكس من ذلك – في أعقاب تصريحات لسياسيّين، وانتشار العنف من حين لآخر، وانضمام شباب عرب من إسرائيل إلى داعش، يقول اليهود لأنفسهم إذا كان العرب المواطنون على هذا الحال، كيف يمكننا أن نعتمد على الآخرين؟

إنَّ الانضمام إلى داعش هو ظاهرة هامشية جدًا. أنا لا أستخفّ بعشرات الشباب، ولكن من ناحية ثانية فإنَّ الغالبية المطلقة من المجتمع العربي تجمع على مناهضة داعش ونهجها. إنَّ مواقف القيادات والجمهور العربي في إسرائيل تعتبر عنصرًا مركزيًا يردع شباب آخرين من الالتحاق بداعش.

حين أتكلّم عن تغيير لا أقصد بذلك أنَّ التغيير سيطرأ غدًا، وإنما أقصد عملية طويلة الأمد. إذا نجحنا باستحداث فرصة حقيقية للعيش المشترك نثبت بذلك للخارج بأنَّ ذلك ممكنًا، وحينها سيتم دعم فكرة إنشاء دولة واحدة مشتركة من النهر إلى البحر في الطرفين. وحتى إذا عدنا في نهاية المطاف إلى حلّ الدولتين فحينها يكون أمامنا أنموذج يؤدّي إلى فهم أفضل ولحياة تقوم أكثر على المساواة والعدل للشعبين. أنا أسعى إلى أن نصل إلى اتفاق تاريخي فيما بيننا، بأن نقيم هاهنا حياة طبيعية، وحينها يمكننا أن نصدّر هذه الفكرة خارجيًا. حاليًا، فإنَّ التوجّه الإسرائيلي للفلسطينيّين يعتبر توجّهًا يستند إلى القوّة ويسعى إلى كسر إرادتهم. حتى إذا وافق أبو مازن على كل ما تقترح عليه إسرائيل، فإنَّ ذلك لن يكون مقبولاً على غالبية الشعب. أعتقد بأننا بحاجة إلى تحوّل جوهري.

أسعد غنام

מִנְבַּר

بروفيسور أسعد غانم، محاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا، وباحث مخضرم متخصّص في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل وخارجها وعلاقاته مع دولة إسرائيل. التقينا لمحادثة بعد انقضاء شهر على عملية “الجرف الصامد” ضدّ قطاع غزة في محاولة لفحص كيفية تأثير الحرب على العلاقات بين مواطني إسرائيل العرب واليهود.

– هنالك إحساس في الجمهور والإعلام بأنَّ هذه الحرب، أكثر من الأحداث العنيفة الماضية، قد أثّرت سلبًا على العلاقات، وتعالت خلالها الأصوات المتبادلة المتطرّفة وعزّز أكثر فأكثر الغربة بين السكّان اليهود والعرب. هل تشعر أنت كذلك بهذا في الواقع؟

لا يمكن إنكار التطرّف في العلاقات في أعقاب الحرب، ولكن في نفس الوقت لا يمكن تجاهل ما سبقه من مظاهر وعمليات طرأت في السنوات الأخيرة. كل ما يحدث حاليًا يمكن العثور على شبيه له في السنوات الماضية، منذ صعود أحزاب اليمين إلى الحكم: ظواهر العنصرية، طرح مشاريع قوانين وتشريعات ضدّ السكان العرب، وإضفاء الشرعية على خطاب عدائي. ومن الجانب الآخر، فقد تطوّر في الجانب العربي منذ أحداث أكتوبر 2000 خطاب قومي يدعو إلى الانطواء والانعزال.

هنالك يمين جديد في إسرائيل. إنه ليس يمين مناحيم بيغن الذي أحدث بالفعل تغييرات سياسية ولكنه لم يجتهد في تغيير الهيمنة. لقد ظهر اليمين الجديد في أعقاب أوسلو أكثر عنفًا ويسعى إلى السيطرة على الإعلام ودور القضاء. تقوى شوكة المعسكر على يمين نتنياهو، ويتحوّل المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين أكثر فأكثر.

– ما هي الأسباب التي تقف خلف ذلك برأيك؟

يمكن الإشارة إلى ثلاثة عوامل أساسية مؤثّرة: صعوبة حلّ الصراع مع الفلسطينيّين؛ تطوّرات ديمغرافية اجتماعية في المجتمع اليهودي؛ وتعزيز السياسة العربية داخل إسرائيل. لقد منحت اتفاقيات أوسلو شعورًا بأننا نحو حلّ الصراع، الأمر الذي خلق ردود أفعال في الطرفين: في الجانب الفلسطيني – رد فعل عنيف، عمليات تفجيرية تهدف إلى التشويش على هذا المسعى، أما في الجانب اليهودي من اليمين واليسار، فقد ساد مفهوم “لا شريك”، وتبنّي خطاب إيهود براك “إننا عرضنا لهم كل شيء” ولكنهم رفضوا. لقد عزّز هذا الخطاب معسكر اليمين وترك آثارًا على الفكر السياسي في اليسار، وحمل دلالات جدية تُرجمت إلى برنامج سياسي. وظهرت مخاوف مفادها أنه حتى لو أعدنا الضفّة ستبقى لنا المشكلة داخل إسرائيل؛ يستعمل اليمين ذلك كأداة ترهيب. وبالطبع فإنني لا أوافق مع هذا التحليل ولكنني أحاول أن أفهم المنطق الذي يقوم عليه.

وبخصوص التطوّرات الاجتماعية والديمغرافية في المجتمع اليهودي، فقد تبنّت القوى التي عارضت أوسلو واليسار – المتدينون والشرقيون والروس – مواقف وبرنامج سياسي يميني كجزء من جدول أعمالهم ضدّ هيمنة الإشكناز، وليس بالضرورة ضدّ العرب. وقد أدّى هذا التطوّر إلى تعزيز الصهيونية اليمينية والمتطرّفة في السنوات الأخيرة. تكمن مخاوفي في وصول اليمين إلى الهيمنة كتلك التي تمتّع بها سابقًا حزب مباي منذ الخمسينيات وحتى السبعينيات، وستمر سنين طويلة حتى ننجح بتطوير بديل معقول يتمتّع بتوجّه يختلف جوهريًا بشأن حلّ الصراع. وفي مقابل ذلك، فإنَّ تعزيز السياسة العربية داخل إسرائيل، والتي تجلّت بصورة خاصة في الإعلان عن الرؤية المستقبلية، قد رفعت سقف المخاوف بين القيادات والجماهير اليهودية.

– ماذا يمكن فعله لتجديد خطاب السلام والديمقراطية والتسامح في مقابل موجات التطرّف القومي؟

إذا رغب اليسار في الفوز يتعيّن عليه أن يقوم بتطوير توجّه مغاير كليًا عن ذلك السائد في اليمين. بخصوص حل الصراع، ليس هنالك اختلافات كبيرة حاليًا بين اليسار والليكود في مسائل جوهرية مثل اللاجئين والقدس وكتل المستوطنات. إذا رغب اليسار في العودة إلى الحكم، يتعيّن عليه تطوير سياسة بديلة نحو السكّان العرب والإدراك بأنه من دونهم لا يستطيع تشكيل الائتلاف. يجب على أحزاب اليسار أن يعرضوا على السكّان العرب فرصة حقيقية وجدية للمشاركة في الحكومة، وحيت يتم تطوير خطاب صهيوني يقوم على المساواة ومستعد أن يقبل السكّان العرب كمتساوين – صهيونية محتوية محتضنة لا إقصائية، ويتيح الفرصة أمام العرب أن يتحوّلوا إلى شركاء على أساس جماعي ويأخذهم بالاعتبار – حينها فقط يستطيع اليسار أن يسعى إلى العودة إلى سدّة الحكم. لا ألاحظ لاعبين في الحلبة الإسرائيلية الحالية من يطرح مثل هذه الإمكانية ولا أعرف إذا كان يمكن أن يظهر طرفًا قريبًا يحمل مثل هذا الطرح، ولكن الأمر لا زال ممكنًا على الصعيد النظري.

– أين يمكن العثور على مثل هذا الاستعداد في السياسة العربية داخل إسرائيل؟ لماذا نسمع الممثلين السياسيّين العرب الكبار أكثر تطرفًا مما هم عليه في الحقيقة؟

إنَّ العنصر الآخر الذي أدّى إلى تعزيز اليمين هو سلوك السياسيّين العرب. يمكنني أن أشير إلى ثلاث مشاكل مركزية تميّز السياسة العربية في إسرائيل:

أ. العلاقة الإشكالية مع الحركة الوطنية الفلسطينية. لم تتعامل الأحزاب ولا السياسيون العرب بجدية بشأن كونهم جزءًا من هذه الحركة، وكرّروا على الدوام أسطوانة أنهم موافقون على ما تقبله منظمة التحرير الفلسطينية. صحيح أنَّ الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة لعبوا دورًا في تطوير فكرة “دولتان لشعبين”، ولكن نشهد في العقدين الأخيرين جمودًا ولم نشهد أي تغيّر أو تجديد في المواقف العربية. يتّفق غالبيتهم على فكرة “دولتان لشعبين” كما هي، بالرغم من التحوّلات الطارئة على الواقع. كذلك، فقد توقّف السكّان العرب عن الخروج في احتجاجات ضدّ الحروب كما كان في السابق. يتعيّن عليهم أن يكونوا فاعلين وناشطين أكثر؛ ويجب الخروج في مظاهرات واحتجاجات في قلب تل أبيب أيضًا وعدم اقتصار ذلك على كفرمندا أو سخنين فقط.

ب. تكمن المشكلة المركزية في التشرذم والانقطاع وعدم القدرة على استحداث مركز سياسي وبرنامج سياسي موحّد. هنالك تنافس على خلفية شخصية يؤدّي إلى حالات عبثية تتضمّن تصريحات ومواقف لا تساهم في التعامل مع المشاكل. هنالك ضرورة إلى تعزيز الوحدة الداخلية وإعادة بناء معنى القيادة المشتركة الجماعية القائمة على أسس توحِّد جميع التيارات، إذ إنّ جميع الأحزاب العربية تتّفق حول نحو 90% من المواضيع. إنَّ مواقفهم من الموضوعين الرئيسين – المساواة المدنية وحلّ الصراع – قريبة جدًا. صحيح أنَّ هنالك نقاش معين حول المواضيع الاجتماعية، ولكن بسبب وجودنا تحت المظلّة الإسرائيلية فإنَّ الحركات الإسلامية تدرك أنها لا تستطيع فرض نمط حياة وأمورًا أخرى تعارضها الدولة، مثل مدارس منفصلة للبنين والبنات، كما وليس هناك نقاش بين الأحزاب العربية حول قضية طبيعة المجتمع الذي نسعى إليه، إسلامي أم علماني. بالرغم من ذلك، لا أرى للأسف الشديد أنَّ القيادة الحالية مستعدّة أن تتوحّد. يبدو أنَّ هنالك ضرورة لنشوء جيل جديد يفكّر بالشأن العام لا أن يقتصر تفكيره على كيفية الحفاظ على مناصبه.

ج. وتكمن المشكلة الثالثة في الضرورة الحقيقية والإرادة داخل الجمهور العربي للنضال جنبًا إلى جنب مع قوى يهودية، ولكن ذلك غير قائم فعليًا. يتعيّن على السياسيّين العرب التوصّل إلى تفاهمات معينة مع قوى يهودية والنضال حولها. هنالك طاقة كامنة هائلة للشراكة لا يتم التعبير عنها. هذا هو السبيل الذي اقترحه بغية تحسين الوضع.

– ماذا يمكن فعليًا العمل بغية تغيير الوضع القائم؟ هل لديك اقتراحات عملية؟

برأيي، يجب التأكيد على تطوير بنيوي لأحيزة مشتركة من جانب الحكومة والمجتمع المدني وقطاع الأعمال. إنني أزور مراكز تجارية كبيرة في الشمال، وفي حالات عديدة لا يمكن التمييز بين من هو يهودي ومن هو عربي. إنَّ المدارس ثنائية اللغة (حيث تتعلمنّ بناتي على سبيل المثال) هي حلبة ممتازة للتعرّف المتبادل وإزالة الحواجز، إلاَّ أنَّ عددها ضئيل وغير كاف. إنَّ نحو 40% من الموظفين في المستشفيات الإسرائيلية من العرب، ولطالما ذكرت هذه الحقيقة بوصفها مثالاً ممتازًا لحيّز مشترك. كذلك أقترح إنشاء بلدات مشتركة. فقد أنشئت بلدات يهودية كثيرة جدًا وبالتقريب لم تنشأ أية بلدة عربية. بالفعل هناك ضرورة لإنشاء بلدات خاصّة للأشخاص النباتيّين واليهود المتزمّتين دينيًا على سبيل المثال، ولكن من واجب الدولة كذلك تشجيع إنشاء بلدات مشتركة وإقامتها. وهنالك ضرورة إلى تطوير برامج تربوية مشتركة، وكذلك وضع نشيد مشترك لليهود والعرب على الصعيد الرمزي. هنالك استعداد للمشاركة في المجتمع العربي، وهناك طاقة كامنة هائلة لا يتم التعبير عنها. إنَّ الغالبية الصامتة تنتظر أن يبادر أحد الأطراف لكي ينضموا إليه. وإلى جانب هذا الخطاب، هنالك بالطبع خطاب آخر يدعو إلى الانغلاق، ولكنني أعتقد أنه في حال توافر مبادرات كافية تقوم على تطوير أفكار بشأن التعاون الجدّي والشراكة يمكن التغلّب على هذا الخطاب الأخير.

– مَن برأيك يستطيع ويجب أن يقود هذه المبادرات؟

أولاً، كما أسلفت، إنها وظيفة الدولة، ولكن كما يجري في مجالات عديدة أخرى، فإنها في طور خصخصة الخدمات الممنوحة لمواطنيها، والقسم الأكبر يقع بالتالي على كاهل المجتمع المدني وقطاع الأعمال. هنالك بعض التنظيمات المشتركة التي تنشط بصورة ممتازة، ولكنهم كالصوت وسط الصحراء. إنني أحلم بإقامة مدرسة للقيادة المشتركة (مثل مدرسة مانديل للقيادة التربوية)، حيث يلتزم كل زوج من الخريجين بإقامة مشروع يهودي عربي معين. تخيّلي إقامة مئات المشاريع خلال خمس سنين قادمة – مراكز صناعية، وترفيه، وثقافة، وتربية وتعليم، ومراكز أخرى يكون أصحابها وزبائنها من بين اليهود والعرب. إنه أمر يمكن له أن يكسر الحواجز. لا يمكن الاكتفاء بالخطاب الأكاديمي والسياسي الذي يدعو إلى المساواة، وإنما هنالك حاجة لمبادرات مكثّفة حقيقية لتطوير فرص تعتمد المساواة لمستقبل أطفالنا.

– إننا أمام مجتمعين مختلفين تفصل بينهما كذلك فجوة اقتصادية. إنَّ المراكز التجارية التي تتحدّث عنها هي ملك ليهود وعامليها عرب يتقاضون الحد الأدنى من الأجور.

أعترف أنَّ غالبية رأس المال متوافر بأيادٍ يهودية، ولكن هنالك مراكز تجارية بملكية عربية أيضًا العمّال والزبائن فيها من بين اليهود، كما في يركا. وبما يتعلّق بالنشاط المشترك، هنالك ضرورة لتشكيل الحياة العربية الداخلية، فهي ممزّقة وضعيفة وعنيفة ولا تدار بصورة منطقية. تتسم السلطات المحلّية بالفساد والضعف في كافّة المجالات، ويتعيّن الاستثمار كذلك في هذا الأمر. كذلك، يجب الاستمرار بما قد بدأنا به بخصوص الرؤية المستقبلية – بلورة وجهة نظر ورؤية حول ما يريدونه السكّان العرب. حاولنا في الرؤية المستقبلية أن نقول كيف نرغب بتطوير مواطنتنا الإسرائيلية، كيف نقترح النضال بشأن طبيعة دولة إسرائيل لكي تتحوّل إلى مشتركة لكلا الشعبين. لم يفهمنا الجمهور اليهودي بصورة سليمة ووجّه سهام النقد ضدّ هذه الرؤية بدون وجه حق.

– وما هي رؤيتك بشأن حلّ الصراع؟ أنا على اطلاع كامل بأنك على مدار سنين طويلة تدعم شكل الدولة المدنية الواحدة حيث يتمتّع كل مجتمع فيها بحكم ذاتي وأنت تكتب بهذا الاتجاه.

على صعيد البرنامج السياسي المكتوب، فإنَّ غالبية التيارات السياسية العربية لا تزال تتحدّث عن دولتين لشعبين. ولكنني مسرور بأنَّ فكرة الدولة الواحدة تعلو إلى السطح أكثر فأكثر. هناك من يتساءل إن كان سليمًا على الصعيد السياسي الحالي التحدّث عن حلّ الدولتين. وكذلك يتساءلون في العالم حول ما إذا كان هذا الأمر ممكنًا أصلاً، وألمس تحوّلاً بين اليهود أيضًا. برأيي، إنَّ الحديث عن دولتين لا يفضي إلى شيء. إنَّ ما يمكن لنتنياهو أن يعرض على الفلسطينيّين غير مقبول عليهم. فها قد مضت عشرين سنة على اتفاقيات أوسلو ولم يتغيّر شيء، لا بل تدهور الوضع أكثر من ذي قبل. وقد آن الأوان لتغيير الاتجاه.

ظهر دومًا الادعاء بأنَّ انتهاء الصراع الخارجي سوف يؤدّي كذلك إلى حلّ قضية الفلسطينيّين في إسرائيل، وجميعنا ترعرعنا على هذه الفكرة. وأعتقد مؤخّرًا بأنَّ هذه الفكرة معكوسة – إذ إنَّ استحداث أنموذج داخلي ناجح يتضمّن الشراكة والتعاون اليهودي العربي داخل الخط الأخضر من شأنه المساهمة في حلّ الصراع. إذا ما طرأ تحوّلاً جديًا داخل إسرائيل ونجح العرب في إقناع جزء هام من اليهود بشأن ضرورة تطوير صهيونية مغايرة تقوم على المساواة، يمكننا حينها اقتراح إمكانية كهذه للفلسطينيّين في الضفّة الغربية وقطاع غزّة واللاجئين أيضًا. على هذا النحو يمكننا قيادة التغيير في الصراع الخارجي عبر التحوّل الداخلي.

– ونحن نشهد حاليًا العكس من ذلك – في أعقاب تصريحات لسياسيّين، وانتشار العنف من حين لآخر، وانضمام شباب عرب من إسرائيل إلى داعش، يقول اليهود لأنفسهم إذا كان العرب المواطنون على هذا الحال، كيف يمكننا أن نعتمد على الآخرين؟

إنَّ الانضمام إلى داعش هو ظاهرة هامشية جدًا. أنا لا أستخفّ بعشرات الشباب، ولكن من ناحية ثانية فإنَّ الغالبية المطلقة من المجتمع العربي تجمع على مناهضة داعش ونهجها. إنَّ مواقف القيادات والجمهور العربي في إسرائيل تعتبر عنصرًا مركزيًا يردع شباب آخرين من الالتحاق بداعش.

حين أتكلّم عن تغيير لا أقصد بذلك أنَّ التغيير سيطرأ غدًا، وإنما أقصد عملية طويلة الأمد. إذا نجحنا باستحداث فرصة حقيقية للعيش المشترك نثبت بذلك للخارج بأنَّ ذلك ممكنًا، وحينها سيتم دعم فكرة إنشاء دولة واحدة مشتركة من النهر إلى البحر في الطرفين. وحتى إذا عدنا في نهاية المطاف إلى حلّ الدولتين فحينها يكون أمامنا أنموذج يؤدّي إلى فهم أفضل ولحياة تقوم أكثر على المساواة والعدل للشعبين. أنا أسعى إلى أن نصل إلى اتفاق تاريخي فيما بيننا، بأن نقيم هاهنا حياة طبيعية، وحينها يمكننا أن نصدّر هذه الفكرة خارجيًا. حاليًا، فإنَّ التوجّه الإسرائيلي للفلسطينيّين يعتبر توجّهًا يستند إلى القوّة ويسعى إلى كسر إرادتهم. حتى إذا وافق أبو مازن على كل ما تقترح عليه إسرائيل، فإنَّ ذلك لن يكون مقبولاً على غالبية الشعب. أعتقد بأننا بحاجة إلى تحوّل جوهري.

Below are share buttons

גליונות אחרונים

לכל הגליונות