אנטנ
Below are share buttons

مقابلة مع شلومو غانور مدير التلفزيون الإسرائيلي الناطق باللغة العربية

عدد 03,

أجرت المقابلة: سارة أوساتسكي- لزار

شلومو غانور، المدير الحالي للتلفزيون الإسرائيلي الناطق باللغة العربية، ولد في مصر وانتقل إلى البلاد في جيل 9 سنوات، وبدأ عمله كصبي (14 سنة) مراسلاً للإذاعة باللغة العربية للمساعدة في دخل أسرته. شارك غانور في مساق التأهيل الأول الخاص بموظّفي التلفزيون الإسرائيلي في العام 1968 وكان من أوائل العاملين فيه، واليوم يعتبرأقدم العاملين بالتلفزيون. وقد سرد في معرض هذه المقابلة، التي أجريت معه، تفاصيل حول الأيام الأولى للتلفزيون في إسرائيل وحول الخطوط العريضة التي تقوم في صلب البرامج باللغة العربية إضافة إلى التحدّيات الماثلة أمام التلفزيون الإسرائيلي الناطق باللغة العربية في عصر تتزاحم فيه القنوات في الأجواء والتي يصل عددها إلى نحو ألف قناة عربية.

متى بدأ البثّ باللغة العربية في التلفزيون الإسرائيلي، وماذا كانت أهدافه؟

يعود تاريخ قناة التلفزيون الناطقة باللغة العربية إلى تاريخ دخول التلفزيون إلى دولة إسرائيل. ظهرت الحاجة في أعقاب حرب حزيران 1967 إلى التحدّث مع الجمهور العربي في الضفة الغربية وقطاع غزة وإجراء الحوار معهم وكذلك إدارتهم. لم تتوافر في حينه أية أداة تواصل تتيح ذلك، باستثناء الإذاعة الناطقة باللغة العربية التي انتقلت بجرأة كبيرة من البثّ لبضع ساعات إلى البثّ لنحو عشر ساعات يوميًا، وتجنّد التلفزيون لاحقًا ليساعد في هذا المضمار. اعتمدت مصر في حينه البثّ التلفزيوني، وكان البثّ في الأردن في طور الإنشاء، أما إسرائيل فلم تحلم بذلك. إن الشخص الذي منع دخول التلفزيون إلى إسرائيل كان دافيد بن غوريون الذي وصفه بـ”الـجن” وتملّكته الخشية من تأثيراته السلبية. لم يكن رئيسًا للوزراء في حينه ولكن تأثيره كان بالغًا وجليًا. اجتمع البعض وسوّقوا فكرة البثّ التلفزيوني الناطق باللغة العربية لبن غوريون، واستنادًا إلى التسويغ الأمني والحاجة والضرورة إلى السيطرة على الجمهور الجديد المضاف إلى الجمهور القائم استُصدر التصريح لفعل ذلك. وعملاً بذلك، فقد مُنح الضوء الأخضر لإنشاء التلفزيون الإسرائيلي بسبب الحاجة للبثّ باللغة العربية. وقد استغرق وقت طويل للتحضيرات. لقد كانت المشكلة الرئيسية هي الافتقار للقوى البشرية المهنية. وقد أُقيم المساق الأول للتأهيل المهني في التلفزيون التعليمي في رمات أبيب، والذي بدأ بالبثّ في سنة 1966، وشكّل المشاركون في هذا المساق البذرة التي أنشأت القناة الأولى وهم أنفسهم الذين أقاموا القناة الثانية لاحقًا. لقد عملت أنا شخصيًا في حينه في الإذاعة، ولكنني شاركت في هذا المساق، ومنذ ذلك الحين أعمل في التلفزيون الناطق باللغة العربية. لقد بدأ البثّ الأول للتلفزيون الإسرائيلي في يوم الاستقلال في أيار 1968، وفي أعقابه ابتدأ البثّ النظامي باللغتين. وعلينا أن نتذكّر بأنه لم تكن في الستينيات أجهزة تلفزيون في غالبية البيوت وكذلك الأمر بخصوص أجهزة الإرسال.

من عمل في حينه في التلفزيون الناطق باللغة العربية؟

تمّ قبول عرب إسرائيليّين منذ البداية للعمل. وعُيِّن بعضهم لاحقًا كسفراء وانتخب بعضهم الآخر أعضاءً في الكنيست وبعضهم الآخر انتقل إلى عالم السياسة. ومن بين أوائل العاملين أذكر سمير درويش، وزيدان عطشة، ورفيق الحاج يحيى رحمه الله، وكذلك أحمد الطيبي الذي عمل فيه في فترة تدريبه كطبيب، إضافة إلى بعض الزملاء الآخرين الذين ساهموا في تطوير التلفزيون منذ انطلاقته الأولى. لدينا حاليًا موظّفين ينتمون إلى جميع الطوائف والديانات والأجيال، وليس هنالك إقليم في البلاد ليس ممثلاً في فريق موظّفيه. إنه عالَم صغير يجمع جميع الصراعات والمشاكل المعروفة في البلاد وفي العالم. ومن شأن ذلك بالطبع خلق التوتّرات أحيانًا، ولكن جميعنا نحترم مبدأين رئيسين: الأول، يجب على كل موظّف أن ينسى ويحيّد انتماءه الديني والقومي. فإن الانتماء الشخصي لا علاقة له بالعمل، لأنه علينا العمل سوية. والثاني، الأمر ذاته بخصوص الآراء السياسية، إذ علينا تركها جميعها خارج مبنى التلفزيون وعدم خلطها بالعمل. لقد أثبتنا هذين المبدأين فعليًا بصورة جلية في أوقات الحرب وفي أوقات السلام.

ولكن كان مديرو التلفزيون الناطق باللغة العربية دومًا من اليهود؟

حقًا، هذا قول صائب، ولكن الموظّفون العرب هم من يصنعون المضامين – المحرّرون والمذيعون والمراسلون، وحتى المراسل العسكري في الشمال هو عربي درزي. إن جميعنا نحمل رسالة. فالإطار التنظيمي الذي يخضع له الجميع يُلزمنا العمل بما ينسجم مع القواعد المهنية. وقد أُلصقت بنا في السنوات الأخيرة بدون وجه حق بأننا أداة مطيعة بيد هذا الطرف أو ذاك. وهذا غير صحيح. لم يكن ذلك صحيحًا ولو لمرة واحدة في السابق، فكم بالحري في أيامنا. يتدفّق أبناء الجيل الثالث للعرب الإسرائيليّين على أبواب سلطة الإذاعة والتلفزيون طلبًا للعمل. وللأسف الشديد لا يمكننا قبولهم للعمل بسبب الأوضاع التي تمر بها حاليًا سلطة الإذاعة والتلفزيون. إننا على أبواب خطة إصلاحية ولا نقوم بتوظيف عاملين جدد، حتى في مكان أولئك الذين يخرجون إلى التقاعد.

ما هو هدف البثّ باللغة العربية؟ هل هنالك خطوط توجيهية ماثلة أمام ناظريكم في العمل؟

يتضمن قانون سلطة الإذاعة لعام 1965، والذي صاغه يسرائيل غليلي، جملة واحدة تتعلّق بالبثّ باللغة العربية. برأيي، فقد كان عمله ممتازًا، ودليلاً على ذلك فإن القانون لم يتغيّر منذ ذلك الحين. تعتبر هذه الجملة الخاصة بالبثّ باللغة العربية نموذجًا لفن الصياغة. تضم هذه الجملة 21 كلمة فقط (بالعبرية) ولكنها على قلة مفرداتها فإنها تضم جميع ما يمكن ضمّه، وفيما يلي ترجمة لها: “اعتماد بثّ باللغة العربية لصالح الجمهور الناطق باللغة العربية وبهدف دفع التفاهم والسلام مع الدول المجاورة إلى الأمام بما ينسجم مع التوجّهات الأساسية للدولة”. بحسب تحليلي فإن كلمة “اعتماد” تفيد الأمر، أي: عدم التوقّف عن البثّ طيلة الوقت؛ وتفيد عبارة “الجمهور الناطق باللغة العربية” جميع الجمهور الناطق باللغة العربية في دولة إسرائيل داخل الخط الأخضر ويشمل ذلك اليهود كذلك؛ أما عبارة “دفع التفاهم والسلام إلى الأمام” فتعني مع الدول العربية، والحديث يدور حول ما قبل سنة 1967؛ أما عبارة “التوجّهات الأساسية للدولة” فتفيد أنه بما أننا نفتقر إلى الدستور فإن المقصود هو بالتوجّهات التي تؤكّد عليها وثيقة الاستقلال، بمعزل عن الحكومة والائتلاف الحكومي المسيطر في أي وقت.

هل لا تزال هذه الجملة ترشدكم منذ نحو خمسين سنة بالرغم من التحوّلات الهائلة التي طرأت على محيطنا؟

إنها كتابي المقدّس، واستنادًا إليها أقوم بتدريس كل موظّف جديد، وأقوم بإرشاد العاملين على أساسها، وأفسّر لهم غاية البثّ باللغة العربية في سلطة الإذاعة والتلفزيون.

ولكن، وعلى الرغم من ذلك، هناك ضغوط سياسية، أليس كذلك؟

ليس هنالك أي ضغوط سياسية لأنه لا يمكن أن تكون مثل هذه الضغوط. إننا نعرّف جمهور هدفنا ونقسّمه إلى خمسة أقسام: مواطنو دولة إسرائيل العرب لأن الحديث يدور حول سلطة بثّ حكومية يتعيّن أن تقدّم لهم هذه الخدمة؛ وسكّان المناطق الفلسطينيّين؛ ومواطنو الدول العربية التي أبرمت معنا اتفاقيات سلام، مصر والأردن وإن شاء الله الفلسطينيون؛ والبلاد الأبعد وهي دول معادية؛ وكلّ من يفهم اللغة العربية في العالم، وكلّ من يهتم بدولة إسرائيل ويصل إليه البثّ عبر الإعلام الجديد.

يجب علينا تقديم الخدمة بلسان واحد لا بخمسة ألسن، وهي مهمة عسيرة، لأنه يجب قول الحقيقة. لا يمكن اعتماد الكذب في عصرنا، ولا يمكن التستّر، ولا يمكن “اعتماد الدعاية”. حاليًا، هنالك نحو ألف قناة تلفزيونية عربية تعتمد البثّ المباشر عبر الأقمار الاصطناعية. ما ترغبين بالتستّر عليه أو تحسين صورته سوف يكشفوه هم، لماذا إذًا تفعلين ذلك؟ لا يتماشى هذا الأمر مع القواعد المهنية الصحفية لسلطة الإذاعة والتلفزيون والتي نحن ملتزمون بها – والتي تتلخّص بـ”وثيقة نكدي” (هي وثيقة وضعها أحد العاملين في سلطة الإذاعة والتلفزيون الإسرائيلية في سنة 1972 وتحوّلت لاحقًا إلى مجموعة القواعد المعتمدة بصورة غير رسمية بين الصحافيّين في إسرائيل، ويشير إليها غانور في معرض المقابلة ويبدو أنه يستعملها على نطاق واسع وبصورة دائمة). لهذا فإن الضغوط السياسية غير قائمة، والتحيّز السياسي غير ممكن! وما نبثّه يتم بثّه كذلك في صوت إسرائيل الناطقة باللغة العبرية على القناة الإذاعية الثانية. إنه مصدر المعلومات الأساسي لسلطة الإذاعة والتلفزيون، إنه جهاز يعمل 24 ساعة يوميًا في الإذاعة، ومن هناك نحن نستقي المعلومات. إنها وكالة أنباء كبيرة جدًا تابعة لسلطة الإذاعة والتلفزيون، لهذا لا يمكنني قول أمورًا مختلفة باللغة العربية.

ولكن الواقع الإعلامي تغيّر. ما كان صوابًا في السبعينيات في ظل عدم التنافس ليس صائبًا حاليًا.

أنا لا أرى متنافسين في المحيط. إن قناة “يا هلا” الناطقة باللغة العربية والمخطّط إقامتها ليست منافسة لنا للأسف. إن الواقع الاقتصادي الحالي للمجتمع العربي، الواقع الاجتماعي الاقتصادي فيها والتصدّعات الداخلية القائمة فيها، لا يسمح كل ذلك إنشاء قناة تجارية، وللأسف الشديد فإن هذه القناة الجديدة غير مقدّر لها أن تستمر.

ولكن المتنافسين لك هم قناة الجزيرة والقنوات الكبيرة الأخرى التي تبثّ برامجها على مدار الساعة.

إن محاولة التنافس مع هذه القنوات يعتبر زهوًا. طالما لا تخصّص دولة إسرائيل الميزانيات المطلوبة للتلفزيون الناطق باللغة العربية بغية الوصول إلى جماهير واسعة واختراق الحدود إلى ما بعد المناطق التي نصل إليها حاليًا مثل الأردن ولبنان، لا يمكنني التنافس. أنا لا أزعم أن بمقدوري التنافس مع مثل هذه القنوات.

ولكن يمكن مشاهدة التلفزيون عبر الإنترنت. هل لديك تقديرًا لأعداد المشاهدين لكم؟

غير كاف، ولكن نعم هناك نسب مشاهدة. لم يلق الموقع الافتراضي المشترك للإذاعة والتلفزيون الناطق باللغة العربية الدعم الكافي، وقد وضعنا ذلك في مخطّطات عملنا، وأنا مؤمن بأنه حين نصل إلى ذلك سوف نصل إلى عدد أكبر من المشاهدين من الدول العربية.

هل لديك تقديرًا لأعداد المشاهدين لكم؟

لا يمكن فحص ذلك لأن بثّنا يعتمد على القمر الاصطناعي، ولأن طريقة قياس نسب المشاهدة وتوزيع الأجهزة بين الجمهور العربي غير دقيق. لقد تمّ توزيع نحو أربعين جهاز بين صفوف أولئك المتواجدين ضمن نطاق البث، وبذلك فإن الأداة التي من خلالها يتم قياس نسب المشاهدة غير موجودة بين العرب. ولكن يمكنني القول إن الربيع العربي قد ساعدنا. إن تعدّد القنوات والمعلومات المتضاربة من جهة، والتقليد المعتمد في دولة إسرائيل ببثّ الحقيقة فقط، من جهة أخرى، قد أعاد لنا مشاهدين كثر. إن خيبة أمل المشاهدين في دول عربية من نشر المعلومات المضلّلة المبثوثة عبر هذه القنوات الإخبارية المعتمدة على الأقمار الاصطناعية قد أعادتهم إلى إسرائيل. إننا نبثّ كلّ شيء، جميع المعلومات من دون تحيّز. لدينا وحدة تراقب بثّ جميع القنوات، وكذلك البثّ على اليوتيوب، ونحن نبثّ الأخبار باسم أصحابها، لا فرق إن كانت صورة أو قول. إننا نبثّ ونذيع وجهي العملة.

باستثناء الأخبار، ما هي البرامج التي تبثّوها؟

كما تذكرين، فإن البرامج الكوميدية الأولى في التلفزيون قد أنتجت باللغة العربية في بداية الطريق. ويعتبر ذلك دليلاً على أن المسئولين عن سلطة الإذاعة والتلفزيون في حينه قد أولوا أهمية ومنحوا أفضلية للبث باللغة العربية. نحن نبثّ للأطفال، ونبثّ أفلامًا وبرامج ترفيهية، وقد كنّا من الروّاد في هذا المضمار. وأُذكّر، على سبيل المثال، ببرنامج “عرفزيون”، الذي كان أول برنامج ضمن تلفزيون الواقع والمنافسات في القنوات التجارية. لقد اشتهر بعض المطربين والمطربات بعد ظهورهم على شاشة التلفزيون الناطق باللغة العربية. وقد نجحنا في الآونة الأخيرة بزيادة ميزانياتنا لإنتاج برامج أصلية. ففي حين بلغت ميزانية قسم البرامج فيما مضى مليون ونصف شاقل سنويًا، فإنها تصل اليوم إلى ثلاثة ملايين شاقل للإنتاج المحلّي، إضافة إلى 14 مليون شاقل، وستصل في السنة القادمة إلى 18.8 مليون شاقل، للإنتاج الأصلي الخارجي. تتضاءل نسب إعادة بثّ الأفلام والبرامج، وكلّي أمل أن تختفي هذه الظاهرة في السنوات الثلاث أو الأربع القادمة. كذلك، لدينا برامج اجتماعية وأخرى خاصة بالصحّة ومواضيع أخرى يهتم بها المجتمع العربي.

لماذا لا برامج صباحية لديكم؟

نحن نبثّ يوميًا من الساعة الرابعة عصرًا وحتى منتصف الليل، ونبثّ يوم الجمعة من الساعة التاسعة صباحًا. بحسب فحصنا، فإن أنماط المشاهدة السائدة في المجتمع العربي لا تسوّغ البثّ الصباحي، ولا يمكننا التنافس مع مئات القنوات الناطقة بالعربية، وليس لدينا ميزانيات وقوى بشرية وموارد للبثّ الصباحي.

نفترض أن ليس لديك مشاكل بالميزانيات، كيف تودّ أن ترى تطوّر التلفزيون الناطق باللغة العربية في المستقبل القريب؟

أسعى إلى الاستمرار بالاعتماد على النهج الذي اعتمدناه حتى اليوم، وقبول عدد أكبر من العاملين، كما وأسعى إلى الاعتراف بمساواة البثّ باللغة العربية، مع البثّ الناطق بالعبرية، وهذا من حق المجتمع العربي. يجب أن يكون هناك وعي في المناصب العليا بشأن أهمية البثّ باللغة العربية. إنه ذراع استراتيجي لدولة إسرائيل في حالات الطوارئ وفي أوقات السلم، ولا يمكن إلغاء ذلك، بمعزل عن هوية السلطة الحاكمة. نحن جسر إسرائيل، برغم جميع مشاكلها، ضلالها وأنوارها – فنحن جسرها إلى العالم العربي كلّه. لن يتعلّم العالم العربي العبرية، ولن يتعلّم المجتمع اليهودي الإسرائيلي العربية للأسف، ولذلك نحن الجسر بين بينهما.

كل الاحترام أنك لا زلت تحمل الرؤى ويكمن فيك التلهّف بعد كل هذه السنين الطويلة من العمل. ولكن أوليس لديك نقد ذاتي حول ما تمّ عمله سابقًا؟

نعم، يجب على الزملاء أن يترفّعوا عن ذواتهم، أن يضعوا نصب أعينهم الغاية والرسالة، وعدم اقتصار النظر على العثرات الجانبية القائمة أمام سلطة الإذاعة والتلفزيون والمجتمع. وأقول ذلك بصفتي أقدم عامل في سلطة الإذاعة والتلفزيون وكمن يودّ أن يسلّم الشعلة إلى الأجيال القادمة.

أجرت المقابلة: سارة أوساتسكي- لزار

شلومو غانور، المدير الحالي للتلفزيون الإسرائيلي الناطق باللغة العربية، ولد في مصر وانتقل إلى البلاد في جيل 9 سنوات، وبدأ عمله كصبي (14 سنة) مراسلاً للإذاعة باللغة العربية للمساعدة في دخل أسرته. شارك غانور في مساق التأهيل الأول الخاص بموظّفي التلفزيون الإسرائيلي في العام 1968 وكان من أوائل العاملين فيه، واليوم يعتبرأقدم العاملين بالتلفزيون. وقد سرد في معرض هذه المقابلة، التي أجريت معه، تفاصيل حول الأيام الأولى للتلفزيون في إسرائيل وحول الخطوط العريضة التي تقوم في صلب البرامج باللغة العربية إضافة إلى التحدّيات الماثلة أمام التلفزيون الإسرائيلي الناطق باللغة العربية في عصر تتزاحم فيه القنوات في الأجواء والتي يصل عددها إلى نحو ألف قناة عربية.

متى بدأ البثّ باللغة العربية في التلفزيون الإسرائيلي، وماذا كانت أهدافه؟

يعود تاريخ قناة التلفزيون الناطقة باللغة العربية إلى تاريخ دخول التلفزيون إلى دولة إسرائيل. ظهرت الحاجة في أعقاب حرب حزيران 1967 إلى التحدّث مع الجمهور العربي في الضفة الغربية وقطاع غزة وإجراء الحوار معهم وكذلك إدارتهم. لم تتوافر في حينه أية أداة تواصل تتيح ذلك، باستثناء الإذاعة الناطقة باللغة العربية التي انتقلت بجرأة كبيرة من البثّ لبضع ساعات إلى البثّ لنحو عشر ساعات يوميًا، وتجنّد التلفزيون لاحقًا ليساعد في هذا المضمار. اعتمدت مصر في حينه البثّ التلفزيوني، وكان البثّ في الأردن في طور الإنشاء، أما إسرائيل فلم تحلم بذلك. إن الشخص الذي منع دخول التلفزيون إلى إسرائيل كان دافيد بن غوريون الذي وصفه بـ”الـجن” وتملّكته الخشية من تأثيراته السلبية. لم يكن رئيسًا للوزراء في حينه ولكن تأثيره كان بالغًا وجليًا. اجتمع البعض وسوّقوا فكرة البثّ التلفزيوني الناطق باللغة العربية لبن غوريون، واستنادًا إلى التسويغ الأمني والحاجة والضرورة إلى السيطرة على الجمهور الجديد المضاف إلى الجمهور القائم استُصدر التصريح لفعل ذلك. وعملاً بذلك، فقد مُنح الضوء الأخضر لإنشاء التلفزيون الإسرائيلي بسبب الحاجة للبثّ باللغة العربية. وقد استغرق وقت طويل للتحضيرات. لقد كانت المشكلة الرئيسية هي الافتقار للقوى البشرية المهنية. وقد أُقيم المساق الأول للتأهيل المهني في التلفزيون التعليمي في رمات أبيب، والذي بدأ بالبثّ في سنة 1966، وشكّل المشاركون في هذا المساق البذرة التي أنشأت القناة الأولى وهم أنفسهم الذين أقاموا القناة الثانية لاحقًا. لقد عملت أنا شخصيًا في حينه في الإذاعة، ولكنني شاركت في هذا المساق، ومنذ ذلك الحين أعمل في التلفزيون الناطق باللغة العربية. لقد بدأ البثّ الأول للتلفزيون الإسرائيلي في يوم الاستقلال في أيار 1968، وفي أعقابه ابتدأ البثّ النظامي باللغتين. وعلينا أن نتذكّر بأنه لم تكن في الستينيات أجهزة تلفزيون في غالبية البيوت وكذلك الأمر بخصوص أجهزة الإرسال.

من عمل في حينه في التلفزيون الناطق باللغة العربية؟

تمّ قبول عرب إسرائيليّين منذ البداية للعمل. وعُيِّن بعضهم لاحقًا كسفراء وانتخب بعضهم الآخر أعضاءً في الكنيست وبعضهم الآخر انتقل إلى عالم السياسة. ومن بين أوائل العاملين أذكر سمير درويش، وزيدان عطشة، ورفيق الحاج يحيى رحمه الله، وكذلك أحمد الطيبي الذي عمل فيه في فترة تدريبه كطبيب، إضافة إلى بعض الزملاء الآخرين الذين ساهموا في تطوير التلفزيون منذ انطلاقته الأولى. لدينا حاليًا موظّفين ينتمون إلى جميع الطوائف والديانات والأجيال، وليس هنالك إقليم في البلاد ليس ممثلاً في فريق موظّفيه. إنه عالَم صغير يجمع جميع الصراعات والمشاكل المعروفة في البلاد وفي العالم. ومن شأن ذلك بالطبع خلق التوتّرات أحيانًا، ولكن جميعنا نحترم مبدأين رئيسين: الأول، يجب على كل موظّف أن ينسى ويحيّد انتماءه الديني والقومي. فإن الانتماء الشخصي لا علاقة له بالعمل، لأنه علينا العمل سوية. والثاني، الأمر ذاته بخصوص الآراء السياسية، إذ علينا تركها جميعها خارج مبنى التلفزيون وعدم خلطها بالعمل. لقد أثبتنا هذين المبدأين فعليًا بصورة جلية في أوقات الحرب وفي أوقات السلام.

ولكن كان مديرو التلفزيون الناطق باللغة العربية دومًا من اليهود؟

حقًا، هذا قول صائب، ولكن الموظّفون العرب هم من يصنعون المضامين – المحرّرون والمذيعون والمراسلون، وحتى المراسل العسكري في الشمال هو عربي درزي. إن جميعنا نحمل رسالة. فالإطار التنظيمي الذي يخضع له الجميع يُلزمنا العمل بما ينسجم مع القواعد المهنية. وقد أُلصقت بنا في السنوات الأخيرة بدون وجه حق بأننا أداة مطيعة بيد هذا الطرف أو ذاك. وهذا غير صحيح. لم يكن ذلك صحيحًا ولو لمرة واحدة في السابق، فكم بالحري في أيامنا. يتدفّق أبناء الجيل الثالث للعرب الإسرائيليّين على أبواب سلطة الإذاعة والتلفزيون طلبًا للعمل. وللأسف الشديد لا يمكننا قبولهم للعمل بسبب الأوضاع التي تمر بها حاليًا سلطة الإذاعة والتلفزيون. إننا على أبواب خطة إصلاحية ولا نقوم بتوظيف عاملين جدد، حتى في مكان أولئك الذين يخرجون إلى التقاعد.

ما هو هدف البثّ باللغة العربية؟ هل هنالك خطوط توجيهية ماثلة أمام ناظريكم في العمل؟

يتضمن قانون سلطة الإذاعة لعام 1965، والذي صاغه يسرائيل غليلي، جملة واحدة تتعلّق بالبثّ باللغة العربية. برأيي، فقد كان عمله ممتازًا، ودليلاً على ذلك فإن القانون لم يتغيّر منذ ذلك الحين. تعتبر هذه الجملة الخاصة بالبثّ باللغة العربية نموذجًا لفن الصياغة. تضم هذه الجملة 21 كلمة فقط (بالعبرية) ولكنها على قلة مفرداتها فإنها تضم جميع ما يمكن ضمّه، وفيما يلي ترجمة لها: “اعتماد بثّ باللغة العربية لصالح الجمهور الناطق باللغة العربية وبهدف دفع التفاهم والسلام مع الدول المجاورة إلى الأمام بما ينسجم مع التوجّهات الأساسية للدولة”. بحسب تحليلي فإن كلمة “اعتماد” تفيد الأمر، أي: عدم التوقّف عن البثّ طيلة الوقت؛ وتفيد عبارة “الجمهور الناطق باللغة العربية” جميع الجمهور الناطق باللغة العربية في دولة إسرائيل داخل الخط الأخضر ويشمل ذلك اليهود كذلك؛ أما عبارة “دفع التفاهم والسلام إلى الأمام” فتعني مع الدول العربية، والحديث يدور حول ما قبل سنة 1967؛ أما عبارة “التوجّهات الأساسية للدولة” فتفيد أنه بما أننا نفتقر إلى الدستور فإن المقصود هو بالتوجّهات التي تؤكّد عليها وثيقة الاستقلال، بمعزل عن الحكومة والائتلاف الحكومي المسيطر في أي وقت.

هل لا تزال هذه الجملة ترشدكم منذ نحو خمسين سنة بالرغم من التحوّلات الهائلة التي طرأت على محيطنا؟

إنها كتابي المقدّس، واستنادًا إليها أقوم بتدريس كل موظّف جديد، وأقوم بإرشاد العاملين على أساسها، وأفسّر لهم غاية البثّ باللغة العربية في سلطة الإذاعة والتلفزيون.

ولكن، وعلى الرغم من ذلك، هناك ضغوط سياسية، أليس كذلك؟

ليس هنالك أي ضغوط سياسية لأنه لا يمكن أن تكون مثل هذه الضغوط. إننا نعرّف جمهور هدفنا ونقسّمه إلى خمسة أقسام: مواطنو دولة إسرائيل العرب لأن الحديث يدور حول سلطة بثّ حكومية يتعيّن أن تقدّم لهم هذه الخدمة؛ وسكّان المناطق الفلسطينيّين؛ ومواطنو الدول العربية التي أبرمت معنا اتفاقيات سلام، مصر والأردن وإن شاء الله الفلسطينيون؛ والبلاد الأبعد وهي دول معادية؛ وكلّ من يفهم اللغة العربية في العالم، وكلّ من يهتم بدولة إسرائيل ويصل إليه البثّ عبر الإعلام الجديد.

يجب علينا تقديم الخدمة بلسان واحد لا بخمسة ألسن، وهي مهمة عسيرة، لأنه يجب قول الحقيقة. لا يمكن اعتماد الكذب في عصرنا، ولا يمكن التستّر، ولا يمكن “اعتماد الدعاية”. حاليًا، هنالك نحو ألف قناة تلفزيونية عربية تعتمد البثّ المباشر عبر الأقمار الاصطناعية. ما ترغبين بالتستّر عليه أو تحسين صورته سوف يكشفوه هم، لماذا إذًا تفعلين ذلك؟ لا يتماشى هذا الأمر مع القواعد المهنية الصحفية لسلطة الإذاعة والتلفزيون والتي نحن ملتزمون بها – والتي تتلخّص بـ”وثيقة نكدي” (هي وثيقة وضعها أحد العاملين في سلطة الإذاعة والتلفزيون الإسرائيلية في سنة 1972 وتحوّلت لاحقًا إلى مجموعة القواعد المعتمدة بصورة غير رسمية بين الصحافيّين في إسرائيل، ويشير إليها غانور في معرض المقابلة ويبدو أنه يستعملها على نطاق واسع وبصورة دائمة). لهذا فإن الضغوط السياسية غير قائمة، والتحيّز السياسي غير ممكن! وما نبثّه يتم بثّه كذلك في صوت إسرائيل الناطقة باللغة العبرية على القناة الإذاعية الثانية. إنه مصدر المعلومات الأساسي لسلطة الإذاعة والتلفزيون، إنه جهاز يعمل 24 ساعة يوميًا في الإذاعة، ومن هناك نحن نستقي المعلومات. إنها وكالة أنباء كبيرة جدًا تابعة لسلطة الإذاعة والتلفزيون، لهذا لا يمكنني قول أمورًا مختلفة باللغة العربية.

ولكن الواقع الإعلامي تغيّر. ما كان صوابًا في السبعينيات في ظل عدم التنافس ليس صائبًا حاليًا.

أنا لا أرى متنافسين في المحيط. إن قناة “يا هلا” الناطقة باللغة العربية والمخطّط إقامتها ليست منافسة لنا للأسف. إن الواقع الاقتصادي الحالي للمجتمع العربي، الواقع الاجتماعي الاقتصادي فيها والتصدّعات الداخلية القائمة فيها، لا يسمح كل ذلك إنشاء قناة تجارية، وللأسف الشديد فإن هذه القناة الجديدة غير مقدّر لها أن تستمر.

ولكن المتنافسين لك هم قناة الجزيرة والقنوات الكبيرة الأخرى التي تبثّ برامجها على مدار الساعة.

إن محاولة التنافس مع هذه القنوات يعتبر زهوًا. طالما لا تخصّص دولة إسرائيل الميزانيات المطلوبة للتلفزيون الناطق باللغة العربية بغية الوصول إلى جماهير واسعة واختراق الحدود إلى ما بعد المناطق التي نصل إليها حاليًا مثل الأردن ولبنان، لا يمكنني التنافس. أنا لا أزعم أن بمقدوري التنافس مع مثل هذه القنوات.

ولكن يمكن مشاهدة التلفزيون عبر الإنترنت. هل لديك تقديرًا لأعداد المشاهدين لكم؟

غير كاف، ولكن نعم هناك نسب مشاهدة. لم يلق الموقع الافتراضي المشترك للإذاعة والتلفزيون الناطق باللغة العربية الدعم الكافي، وقد وضعنا ذلك في مخطّطات عملنا، وأنا مؤمن بأنه حين نصل إلى ذلك سوف نصل إلى عدد أكبر من المشاهدين من الدول العربية.

هل لديك تقديرًا لأعداد المشاهدين لكم؟

لا يمكن فحص ذلك لأن بثّنا يعتمد على القمر الاصطناعي، ولأن طريقة قياس نسب المشاهدة وتوزيع الأجهزة بين الجمهور العربي غير دقيق. لقد تمّ توزيع نحو أربعين جهاز بين صفوف أولئك المتواجدين ضمن نطاق البث، وبذلك فإن الأداة التي من خلالها يتم قياس نسب المشاهدة غير موجودة بين العرب. ولكن يمكنني القول إن الربيع العربي قد ساعدنا. إن تعدّد القنوات والمعلومات المتضاربة من جهة، والتقليد المعتمد في دولة إسرائيل ببثّ الحقيقة فقط، من جهة أخرى، قد أعاد لنا مشاهدين كثر. إن خيبة أمل المشاهدين في دول عربية من نشر المعلومات المضلّلة المبثوثة عبر هذه القنوات الإخبارية المعتمدة على الأقمار الاصطناعية قد أعادتهم إلى إسرائيل. إننا نبثّ كلّ شيء، جميع المعلومات من دون تحيّز. لدينا وحدة تراقب بثّ جميع القنوات، وكذلك البثّ على اليوتيوب، ونحن نبثّ الأخبار باسم أصحابها، لا فرق إن كانت صورة أو قول. إننا نبثّ ونذيع وجهي العملة.

باستثناء الأخبار، ما هي البرامج التي تبثّوها؟

كما تذكرين، فإن البرامج الكوميدية الأولى في التلفزيون قد أنتجت باللغة العربية في بداية الطريق. ويعتبر ذلك دليلاً على أن المسئولين عن سلطة الإذاعة والتلفزيون في حينه قد أولوا أهمية ومنحوا أفضلية للبث باللغة العربية. نحن نبثّ للأطفال، ونبثّ أفلامًا وبرامج ترفيهية، وقد كنّا من الروّاد في هذا المضمار. وأُذكّر، على سبيل المثال، ببرنامج “عرفزيون”، الذي كان أول برنامج ضمن تلفزيون الواقع والمنافسات في القنوات التجارية. لقد اشتهر بعض المطربين والمطربات بعد ظهورهم على شاشة التلفزيون الناطق باللغة العربية. وقد نجحنا في الآونة الأخيرة بزيادة ميزانياتنا لإنتاج برامج أصلية. ففي حين بلغت ميزانية قسم البرامج فيما مضى مليون ونصف شاقل سنويًا، فإنها تصل اليوم إلى ثلاثة ملايين شاقل للإنتاج المحلّي، إضافة إلى 14 مليون شاقل، وستصل في السنة القادمة إلى 18.8 مليون شاقل، للإنتاج الأصلي الخارجي. تتضاءل نسب إعادة بثّ الأفلام والبرامج، وكلّي أمل أن تختفي هذه الظاهرة في السنوات الثلاث أو الأربع القادمة. كذلك، لدينا برامج اجتماعية وأخرى خاصة بالصحّة ومواضيع أخرى يهتم بها المجتمع العربي.

لماذا لا برامج صباحية لديكم؟

نحن نبثّ يوميًا من الساعة الرابعة عصرًا وحتى منتصف الليل، ونبثّ يوم الجمعة من الساعة التاسعة صباحًا. بحسب فحصنا، فإن أنماط المشاهدة السائدة في المجتمع العربي لا تسوّغ البثّ الصباحي، ولا يمكننا التنافس مع مئات القنوات الناطقة بالعربية، وليس لدينا ميزانيات وقوى بشرية وموارد للبثّ الصباحي.

نفترض أن ليس لديك مشاكل بالميزانيات، كيف تودّ أن ترى تطوّر التلفزيون الناطق باللغة العربية في المستقبل القريب؟

أسعى إلى الاستمرار بالاعتماد على النهج الذي اعتمدناه حتى اليوم، وقبول عدد أكبر من العاملين، كما وأسعى إلى الاعتراف بمساواة البثّ باللغة العربية، مع البثّ الناطق بالعبرية، وهذا من حق المجتمع العربي. يجب أن يكون هناك وعي في المناصب العليا بشأن أهمية البثّ باللغة العربية. إنه ذراع استراتيجي لدولة إسرائيل في حالات الطوارئ وفي أوقات السلم، ولا يمكن إلغاء ذلك، بمعزل عن هوية السلطة الحاكمة. نحن جسر إسرائيل، برغم جميع مشاكلها، ضلالها وأنوارها – فنحن جسرها إلى العالم العربي كلّه. لن يتعلّم العالم العربي العبرية، ولن يتعلّم المجتمع اليهودي الإسرائيلي العربية للأسف، ولذلك نحن الجسر بين بينهما.

كل الاحترام أنك لا زلت تحمل الرؤى ويكمن فيك التلهّف بعد كل هذه السنين الطويلة من العمل. ولكن أوليس لديك نقد ذاتي حول ما تمّ عمله سابقًا؟

نعم، يجب على الزملاء أن يترفّعوا عن ذواتهم، أن يضعوا نصب أعينهم الغاية والرسالة، وعدم اقتصار النظر على العثرات الجانبية القائمة أمام سلطة الإذاعة والتلفزيون والمجتمع. وأقول ذلك بصفتي أقدم عامل في سلطة الإذاعة والتلفزيون وكمن يودّ أن يسلّم الشعلة إلى الأجيال القادمة.

Below are share buttons

גליונות אחרונים

לכל הגליונות