צילום אילוסטרציה: Julian Fong, מתוך פליקר
Below are share buttons

أبطال الجميع؟ عنف، إنقاذ وإمكانية مساحات الذاكرة المشتركة

عدد 10,

الفلسطينيون واليهود يعيشون غالباً ليس في مناطق جغرافية وسياسية منفصلة فحسب، وإنما في مساحات مختلفة من الوعي والذاكرة أيضاً. كل واحدة من هاتين المجوعتين غارقة في تخليد ذكرى أبطالها وضحاياها، في عالم منغلق يكاد لا يكون بينه وبين عالم الطرف الآخر أي اتصال. وكما عبر عن ذلك هليل كوهن فإنه “لا بد أن يكون أبطال طرف ما […] أوغاد الطرف الآخر، بالضرورة”1هليل كوهن، 1929 ـ سنة الصدع بين اليهود والعرب، القدس: كيتر وعـڤـريت، 2013، ص 394 (الترجمة العربية لهذا الكتاب، والتي أنجزها سليم سلامة، صدرت بعنوان “هبة البراق 1929 ـ سنة الصدع بين اليهود والعرب” عن مركز “مدار” في أيار 2018).؛ في الطرف الآخر كلهم قتلة متعطشون للدماء بينما معسكرنا نحن نقيّ طاهر. القدرة على تحدي مثل هذه التصورات والاستئناف عليها، ولو قليلاً، هي أحد التحديات المركزية التي تواجهنا إن كنا نريد العمل من أجل تغيير الوضع الراهن. في هذه المقالة القصيرة، أودّ تحديد مسار واحد ممكن للعمل على خلق مساحات مشتركة للذاكرة. 

من أحداث 1929 حتى أحداث أيار 2021، عند وقوع موجات عنف الشوارع بين اليهود والفلسطينيين ـ خلافاً للعنف العسكري المنظَّم ـ حصلت أيضاً، بصورة دائم تقريباً، أعمال إنقاذ: فلسطينيون خاطروا بأنفسهم لحماية يهود من هجمات فلسطينيين آخرين؛ يهود دافعوا بأجسادهم عن فلسطينيين في وجه يهود كانوا يقصدون تنفيذ “لينش” بحقهم. هذه الحالات ليست شائعة بالطبع، لكنها أكثر انتشاراً مما يعتقده معظمنا. 

هاكم بعض النماذج من عناوين في وسائل الإعلام خلال السنوات الأخيرة: “تعرضوا للينش في قرية في الشمال وأنقذهم سكان عرب” (ريشت 13، 16.5.2021)؛ “أتوا إلى أور عقيبا ‘ليحموها من العرب’ فألفوا أنفسهم ينقذون عربياً من لينش” (هآرتس، 26.5.2021)؛ “الطبيب العربي حمى بجسده المصابَ اليهودي” (كيكار هشبات، 13.5.2021)؛ “ساعدَ مجموعة من العرب تعرضوا لاعتداء في البحر: ‘لو لم أتدخل، لقتلوهم'” (واي نت، 26.8.2018). هذه ظاهرة تتكرر، كما ذكرنا، على مر السنوات: “سائقو سيارات أجرة حموا، بأجسادهم، عرباً عقب الانفجار في تل أبيب”، كان العنوان في صحيفة حدَشوت يوم 11 أيلول 1990، في تقرير عن سائقي سيارات أجرة في المحطة المركزية دافعوا عن عابري سبيل فلسطينيين من اعتداءات اليهود. وثمة أمثلة أخرى عديدة. 

هذه قصص دراماتيكية، مُلهِمة، لكنها تُنْسى في الغالب، أو تُنَسّى. بعضها القليل فقط يجد طريقه إلى وسائل الإعلام؛ ثمة منها ما يبقى محصوراً في منشور هامشيّ على فيسبوك أو سطر في كتاب بينما يبقى الكثير منها في الذاكرة الشخصية أو العائلية. ما عدا بعض الحالات الشاذة ـ إنقاذ اليهود في الخليل إبان أحداث 1929، حادثة بيلا فرويند التي دافعت عن فلسطيني تم القبض عليه بعد طعنه أطفالاً في سوق في القدس في العام 1992 ـ تكاد قصص الإنقاذ لا تترك في الذاكرة الجماعية أي أثر تقريباً. 

ما الذي يمكن أن نتعلمه من أعمال الإنقاذ هذه أو أن نعلِّم من خلالها؟ نشر قصص الإنقاذ في الحيز والخطاب العامّين من شأنه أن يساعد على التربية الأخلاقية، أنْ يعلّم أنّ “هُم” ليسوا أشراراً جميعاً وكذلك أنّ “نحن” لسنا أخياراً جميعاً.

 أحياناً، قد تكون قصة عن إسرائيلي دافع عن فلسطينيين من اعتداء إسرائيليين آخرين الطريقة الأكثر فاعلية لمواجهة الإنكار لاعتداءات مماثلة. باستثناء الاستئناف على الصورة الواحدة الموحدة للفئات المختلفة، قد يكون في نشر أعمال الإنقاذ هذه وإبرازها في الخطاب العام نوع من الإشادة بالقدرة على مقاومة العنف والتصدي له، بنجاح في بعض الأحيان. بكلمات أخرى، أعمال الإنقاذ تبيّن لنا أنّ ثمة إمكانية للتضامن الإنساني العابر للمجموعات، حتى في أكثر الفترات قسوة وصعوبة؛ وأنّ ثمة قَتَلة بيننا نحن أيضاً وأنّ ليس الجميع في الطرف الآخر هم قَتَلة؛ وأننا لسنا مُرغمين على الوقوف جانباً حيال العنف.

بصورة أوسع، ثمة لهذه القصص قدرة على الإسهام في فهم لمصطلح “البطولة” مغاير لما سائد: شخصيات المُنقِذات والمنقذين قد تشكل تحدياً للفرضية القائلة إن البطل هو ذاك الذي يقتل العدوّ. هل تستطيع مينا ألبرت، التي يورد هليل كوهن قصتها في كتابه ـ تلك التي أنقذت فلسطينيين من لينش اليهود في القدس في 1929، أن تصبح بطلة في نظر اليهود والفلسطينيين على حد سواء، بدلاً من أو إلى جانب الأبطال “العسكريين”؟ ربما ليس على وجه السرعة، ومن المؤكد أن ليس في نظر الجميع؛ لكن طالما بقيت مثل هذه الشخصيات غائبة تماماً عن الوعي وعن الذاكرة، سيكون من الصعب أكثر الاستئناف على مفهوم البطولة السائد. 

لماذا لا تجد أعمال الإنقاذ طريقها إلى صدارة الوعي والتخليد؟ أحد الأسباب لذلك هو، بالتحديد، قدرتها الكامنة على التخريب: نحن لا نرغب في الاستئناف على سرديتنا نحن، لا نريد أن نسمع عن قتلة من بيننا وعن منقذين من بينهم. وثمة أيضاً من لا يريد الاحتفاء بالإنقاذ: في نظر إسرائيليين كثيرين، يستحق سلوك بيلا فرويند، على سبيل المثال، التنديد والاستنكار وليس المديح والثناء. لكن من المهم التأكيد على أن ليس ثمة رقابة موجَّهَة ومتعمَّدة، بل إن المشكلة أكثر تعقيداً: قصص الإنقاذ لا تتماشى مع تقاليد الذكرى القائمة. ليست لدينا قوالب، معادلات، يمكن تصميم قصص الإنقاذ طبقاً لها. لذلك، يأتي وصف أعمال الإنقاذ في العادة “موجزاً وجافاً”، دونما سياق ودون التذكير بأعمال إنقاذ سابقة، خلافاً للتقارير عن أعمال العنف التي يجري تصميمها على الفور وفقاً لنمط وطابع تاريخيين. المنقذ أو المنقِذة ليسوا محسوبين ضمن قوائم الشخصيات المعروفة والتي نقوم بموجيها بتأطير الأحداث وفهمها: الضابط الشجاع، عابر السبيل الخائف، الشاب المتهور وما شابه. صعوبة تأطير المنقذين في وقالب أنماط قائمة تجعل من الصعب، بالتالي، دمجهم في خارطة الذكرى؛ لذلك، حتى حين تُجرى معهم مقابلات على الهواء لبضع لحظات، إلا أنهم سرعان ما يتلاشون من الوعي العام.

هنالك مثال نادر، وربما فريد من نوعه، لتخليد عمل إنقاذيّ وهو الاستثناء الذي يثبت القاعدة ـ كما يثبت محدوديات الاستثناء أيضاً: في عيد “المساخر” (بوريم) 1992، حاول عبد الغني، من سكان يافا، أن يذود بجسده عن فتيةٍ يهود هاجمهم فلسطيني من غزة بالسكين. توفي عبد الغني متأثراً بجراحه كما توفيت معه أيضاً إيلانيت أوحانا، إحدى الفتيات التي حاول حمياتهن. بعد ذلك بسنة واحدة، أطلق اسم عبد الغني على شارع صغير في يافا وأطلق اسم “حديقة الإثنين” (גן השניים) على حديقة عامة مجاورة، على اسم عبد الغني واسم اوحانا. لكن ليس ثمة في الحديقة، حتى اللحظة على الأقل، يافطات تشرح التسمية أو زاوية خاصة ومنظمة لتخليد ذكراهما، وهو ما يحول دون تعلُّم زوار الحديقة عن محاولة الإنقاذ. تخليد الذكرى في هذه الحالة يتعلق بإنقاذ يهود فقط من هجمات فلسطينيين؛ ويبرز غياب التبادلية بوجه خاص على خلفية الإهمال والتمييز اللذين يعاني منهما عرب يافا. لم يصبح عبد الغني شخصية بارزة في الذاكرة الوطنية اليهودية أو الفلسطينية ويبدو أنه ليس هنالك من يواصل نشر قصة هذا العمل بصورة منهجية. إحدى العِبَر المستفادة من ذلك هي أن تخليد ذكرى المنقذين سيكون أعمق تأثيراً بكثير إذا ما تم كعمل يهودي ـ عربي مشترك. فمثل هذه الخطوة من شأنها أن تساعد أيضاً في تجنب عرض عمل الإنقاذ بصورة متلاعبة مراوغة، مثلما يحصل أحياناً في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي حيث يجري عرض الفلسطينيين الذين ساعدوا اليهود في خانة “العربي الجيد” التي تثبت، فقط، أن جميع الآخرين قتلة. 

في حالات كثيرة، تميل محاولات الإشارة إلى ماضٍ أو حاضرٍ من “التعايش المشترك” لأن تكون ساذجة وتتجاهل الاحتلال والعنف، كما في نداء الحنين إلى الماضي وإلى اللقاءات “على طبق حمّص”. قصص الإنقاذ محصّنة، نسبياً، أمام هذه العقامة البريئة: إنها تنبع من رعب اللينش ومشبعة به، إنها متجذرة في العنف المتبادل بمجرد وجودها وتضطرنا إلى التفكير بالتضامن وإنسانية على خلفية العنف ومن داخله، بالذات، ويمكن العثور عليها في كلا الجانبين. 

في الغالبية الساحقة من الحالات، لا تحظى أعمال الإنقاذ ـ كما ذكرنا ـ بفرصة الترسخ في الوعي وفي الخطاب العامّين. أحد الأسباب وراء ذلك هو غياب عمل موجَّه ومنظَّم من جانب وكلاء الذاكرة من أجل هذه القضية؛ فبدون مثل هذا العمل، من الصعب على القصة أن تحافظ على وجودها وبقائها في المنافسة الحادة على الانتباه التاريخي ومواد التخليد. وإذا كان ما لا تُخلّد ذكراه يُنسى، فثمة حاجة إذاً إلى جهد واعٍ وموجَّه لاستحضار أعمال الإنقاذ على خارطة الوعي. 

صحيح أن جوانب عديدة من التخليد مرهونة بقرارات هيئات الدولة الرسمية، إلا أن هنالك تشكيلة من الآفاق والمسارات المفتوحة أمام المجتمع المدني. بالإمكان إطلاق اسم مينا ألبرت على مصنع ما؛ بالإمكان نصب يافطات للشرح في حديقة الإثنين؛ بالإمكان إنتاج فيلم وثائقي عن سائقي سيارات الأجرة في المحطة المركزية في العام 1990؛ بالإمكان بنا مواقع إنترنت تحتوي على عدّة تعليمية حول أعمال الإنقاذ، وسيكون ثمة من سيستخدمها. الاستحضار الواسع لقصص الإنقاذ في فضاء الوعي العام، الفلسطيني والإسرائيلي، لن يجلب السلام، لكنه قد يقلل، ولو قليلاً، منسوب الكراهية والنظرة الأحادية الجانب تجاه الآخر. ولا ينبغي الاستهانة بهذا في أيامنا.    

  • 1
    هليل كوهن، 1929 ـ سنة الصدع بين اليهود والعرب، القدس: كيتر وعـڤـريت، 2013، ص 394 (الترجمة العربية لهذا الكتاب، والتي أنجزها سليم سلامة، صدرت بعنوان “هبة البراق 1929 ـ سنة الصدع بين اليهود والعرب” عن مركز “مدار” في أيار 2018).
رون دوداي

מִנְבַּר

الفلسطينيون واليهود يعيشون غالباً ليس في مناطق جغرافية وسياسية منفصلة فحسب، وإنما في مساحات مختلفة من الوعي والذاكرة أيضاً. كل واحدة من هاتين المجوعتين غارقة في تخليد ذكرى أبطالها وضحاياها، في عالم منغلق يكاد لا يكون بينه وبين عالم الطرف الآخر أي اتصال. وكما عبر عن ذلك هليل كوهن فإنه “لا بد أن يكون أبطال طرف ما […] أوغاد الطرف الآخر، بالضرورة”1هليل كوهن، 1929 ـ سنة الصدع بين اليهود والعرب، القدس: كيتر وعـڤـريت، 2013، ص 394 (الترجمة العربية لهذا الكتاب، والتي أنجزها سليم سلامة، صدرت بعنوان “هبة البراق 1929 ـ سنة الصدع بين اليهود والعرب” عن مركز “مدار” في أيار 2018).؛ في الطرف الآخر كلهم قتلة متعطشون للدماء بينما معسكرنا نحن نقيّ طاهر. القدرة على تحدي مثل هذه التصورات والاستئناف عليها، ولو قليلاً، هي أحد التحديات المركزية التي تواجهنا إن كنا نريد العمل من أجل تغيير الوضع الراهن. في هذه المقالة القصيرة، أودّ تحديد مسار واحد ممكن للعمل على خلق مساحات مشتركة للذاكرة. 

من أحداث 1929 حتى أحداث أيار 2021، عند وقوع موجات عنف الشوارع بين اليهود والفلسطينيين ـ خلافاً للعنف العسكري المنظَّم ـ حصلت أيضاً، بصورة دائم تقريباً، أعمال إنقاذ: فلسطينيون خاطروا بأنفسهم لحماية يهود من هجمات فلسطينيين آخرين؛ يهود دافعوا بأجسادهم عن فلسطينيين في وجه يهود كانوا يقصدون تنفيذ “لينش” بحقهم. هذه الحالات ليست شائعة بالطبع، لكنها أكثر انتشاراً مما يعتقده معظمنا. 

هاكم بعض النماذج من عناوين في وسائل الإعلام خلال السنوات الأخيرة: “تعرضوا للينش في قرية في الشمال وأنقذهم سكان عرب” (ريشت 13، 16.5.2021)؛ “أتوا إلى أور عقيبا ‘ليحموها من العرب’ فألفوا أنفسهم ينقذون عربياً من لينش” (هآرتس، 26.5.2021)؛ “الطبيب العربي حمى بجسده المصابَ اليهودي” (كيكار هشبات، 13.5.2021)؛ “ساعدَ مجموعة من العرب تعرضوا لاعتداء في البحر: ‘لو لم أتدخل، لقتلوهم'” (واي نت، 26.8.2018). هذه ظاهرة تتكرر، كما ذكرنا، على مر السنوات: “سائقو سيارات أجرة حموا، بأجسادهم، عرباً عقب الانفجار في تل أبيب”، كان العنوان في صحيفة حدَشوت يوم 11 أيلول 1990، في تقرير عن سائقي سيارات أجرة في المحطة المركزية دافعوا عن عابري سبيل فلسطينيين من اعتداءات اليهود. وثمة أمثلة أخرى عديدة. 

هذه قصص دراماتيكية، مُلهِمة، لكنها تُنْسى في الغالب، أو تُنَسّى. بعضها القليل فقط يجد طريقه إلى وسائل الإعلام؛ ثمة منها ما يبقى محصوراً في منشور هامشيّ على فيسبوك أو سطر في كتاب بينما يبقى الكثير منها في الذاكرة الشخصية أو العائلية. ما عدا بعض الحالات الشاذة ـ إنقاذ اليهود في الخليل إبان أحداث 1929، حادثة بيلا فرويند التي دافعت عن فلسطيني تم القبض عليه بعد طعنه أطفالاً في سوق في القدس في العام 1992 ـ تكاد قصص الإنقاذ لا تترك في الذاكرة الجماعية أي أثر تقريباً. 

ما الذي يمكن أن نتعلمه من أعمال الإنقاذ هذه أو أن نعلِّم من خلالها؟ نشر قصص الإنقاذ في الحيز والخطاب العامّين من شأنه أن يساعد على التربية الأخلاقية، أنْ يعلّم أنّ “هُم” ليسوا أشراراً جميعاً وكذلك أنّ “نحن” لسنا أخياراً جميعاً.

 أحياناً، قد تكون قصة عن إسرائيلي دافع عن فلسطينيين من اعتداء إسرائيليين آخرين الطريقة الأكثر فاعلية لمواجهة الإنكار لاعتداءات مماثلة. باستثناء الاستئناف على الصورة الواحدة الموحدة للفئات المختلفة، قد يكون في نشر أعمال الإنقاذ هذه وإبرازها في الخطاب العام نوع من الإشادة بالقدرة على مقاومة العنف والتصدي له، بنجاح في بعض الأحيان. بكلمات أخرى، أعمال الإنقاذ تبيّن لنا أنّ ثمة إمكانية للتضامن الإنساني العابر للمجموعات، حتى في أكثر الفترات قسوة وصعوبة؛ وأنّ ثمة قَتَلة بيننا نحن أيضاً وأنّ ليس الجميع في الطرف الآخر هم قَتَلة؛ وأننا لسنا مُرغمين على الوقوف جانباً حيال العنف.

بصورة أوسع، ثمة لهذه القصص قدرة على الإسهام في فهم لمصطلح “البطولة” مغاير لما سائد: شخصيات المُنقِذات والمنقذين قد تشكل تحدياً للفرضية القائلة إن البطل هو ذاك الذي يقتل العدوّ. هل تستطيع مينا ألبرت، التي يورد هليل كوهن قصتها في كتابه ـ تلك التي أنقذت فلسطينيين من لينش اليهود في القدس في 1929، أن تصبح بطلة في نظر اليهود والفلسطينيين على حد سواء، بدلاً من أو إلى جانب الأبطال “العسكريين”؟ ربما ليس على وجه السرعة، ومن المؤكد أن ليس في نظر الجميع؛ لكن طالما بقيت مثل هذه الشخصيات غائبة تماماً عن الوعي وعن الذاكرة، سيكون من الصعب أكثر الاستئناف على مفهوم البطولة السائد. 

لماذا لا تجد أعمال الإنقاذ طريقها إلى صدارة الوعي والتخليد؟ أحد الأسباب لذلك هو، بالتحديد، قدرتها الكامنة على التخريب: نحن لا نرغب في الاستئناف على سرديتنا نحن، لا نريد أن نسمع عن قتلة من بيننا وعن منقذين من بينهم. وثمة أيضاً من لا يريد الاحتفاء بالإنقاذ: في نظر إسرائيليين كثيرين، يستحق سلوك بيلا فرويند، على سبيل المثال، التنديد والاستنكار وليس المديح والثناء. لكن من المهم التأكيد على أن ليس ثمة رقابة موجَّهَة ومتعمَّدة، بل إن المشكلة أكثر تعقيداً: قصص الإنقاذ لا تتماشى مع تقاليد الذكرى القائمة. ليست لدينا قوالب، معادلات، يمكن تصميم قصص الإنقاذ طبقاً لها. لذلك، يأتي وصف أعمال الإنقاذ في العادة “موجزاً وجافاً”، دونما سياق ودون التذكير بأعمال إنقاذ سابقة، خلافاً للتقارير عن أعمال العنف التي يجري تصميمها على الفور وفقاً لنمط وطابع تاريخيين. المنقذ أو المنقِذة ليسوا محسوبين ضمن قوائم الشخصيات المعروفة والتي نقوم بموجيها بتأطير الأحداث وفهمها: الضابط الشجاع، عابر السبيل الخائف، الشاب المتهور وما شابه. صعوبة تأطير المنقذين في وقالب أنماط قائمة تجعل من الصعب، بالتالي، دمجهم في خارطة الذكرى؛ لذلك، حتى حين تُجرى معهم مقابلات على الهواء لبضع لحظات، إلا أنهم سرعان ما يتلاشون من الوعي العام.

هنالك مثال نادر، وربما فريد من نوعه، لتخليد عمل إنقاذيّ وهو الاستثناء الذي يثبت القاعدة ـ كما يثبت محدوديات الاستثناء أيضاً: في عيد “المساخر” (بوريم) 1992، حاول عبد الغني، من سكان يافا، أن يذود بجسده عن فتيةٍ يهود هاجمهم فلسطيني من غزة بالسكين. توفي عبد الغني متأثراً بجراحه كما توفيت معه أيضاً إيلانيت أوحانا، إحدى الفتيات التي حاول حمياتهن. بعد ذلك بسنة واحدة، أطلق اسم عبد الغني على شارع صغير في يافا وأطلق اسم “حديقة الإثنين” (גן השניים) على حديقة عامة مجاورة، على اسم عبد الغني واسم اوحانا. لكن ليس ثمة في الحديقة، حتى اللحظة على الأقل، يافطات تشرح التسمية أو زاوية خاصة ومنظمة لتخليد ذكراهما، وهو ما يحول دون تعلُّم زوار الحديقة عن محاولة الإنقاذ. تخليد الذكرى في هذه الحالة يتعلق بإنقاذ يهود فقط من هجمات فلسطينيين؛ ويبرز غياب التبادلية بوجه خاص على خلفية الإهمال والتمييز اللذين يعاني منهما عرب يافا. لم يصبح عبد الغني شخصية بارزة في الذاكرة الوطنية اليهودية أو الفلسطينية ويبدو أنه ليس هنالك من يواصل نشر قصة هذا العمل بصورة منهجية. إحدى العِبَر المستفادة من ذلك هي أن تخليد ذكرى المنقذين سيكون أعمق تأثيراً بكثير إذا ما تم كعمل يهودي ـ عربي مشترك. فمثل هذه الخطوة من شأنها أن تساعد أيضاً في تجنب عرض عمل الإنقاذ بصورة متلاعبة مراوغة، مثلما يحصل أحياناً في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي حيث يجري عرض الفلسطينيين الذين ساعدوا اليهود في خانة “العربي الجيد” التي تثبت، فقط، أن جميع الآخرين قتلة. 

في حالات كثيرة، تميل محاولات الإشارة إلى ماضٍ أو حاضرٍ من “التعايش المشترك” لأن تكون ساذجة وتتجاهل الاحتلال والعنف، كما في نداء الحنين إلى الماضي وإلى اللقاءات “على طبق حمّص”. قصص الإنقاذ محصّنة، نسبياً، أمام هذه العقامة البريئة: إنها تنبع من رعب اللينش ومشبعة به، إنها متجذرة في العنف المتبادل بمجرد وجودها وتضطرنا إلى التفكير بالتضامن وإنسانية على خلفية العنف ومن داخله، بالذات، ويمكن العثور عليها في كلا الجانبين. 

في الغالبية الساحقة من الحالات، لا تحظى أعمال الإنقاذ ـ كما ذكرنا ـ بفرصة الترسخ في الوعي وفي الخطاب العامّين. أحد الأسباب وراء ذلك هو غياب عمل موجَّه ومنظَّم من جانب وكلاء الذاكرة من أجل هذه القضية؛ فبدون مثل هذا العمل، من الصعب على القصة أن تحافظ على وجودها وبقائها في المنافسة الحادة على الانتباه التاريخي ومواد التخليد. وإذا كان ما لا تُخلّد ذكراه يُنسى، فثمة حاجة إذاً إلى جهد واعٍ وموجَّه لاستحضار أعمال الإنقاذ على خارطة الوعي. 

صحيح أن جوانب عديدة من التخليد مرهونة بقرارات هيئات الدولة الرسمية، إلا أن هنالك تشكيلة من الآفاق والمسارات المفتوحة أمام المجتمع المدني. بالإمكان إطلاق اسم مينا ألبرت على مصنع ما؛ بالإمكان نصب يافطات للشرح في حديقة الإثنين؛ بالإمكان إنتاج فيلم وثائقي عن سائقي سيارات الأجرة في المحطة المركزية في العام 1990؛ بالإمكان بنا مواقع إنترنت تحتوي على عدّة تعليمية حول أعمال الإنقاذ، وسيكون ثمة من سيستخدمها. الاستحضار الواسع لقصص الإنقاذ في فضاء الوعي العام، الفلسطيني والإسرائيلي، لن يجلب السلام، لكنه قد يقلل، ولو قليلاً، منسوب الكراهية والنظرة الأحادية الجانب تجاه الآخر. ولا ينبغي الاستهانة بهذا في أيامنا.    

  • 1
    هليل كوهن، 1929 ـ سنة الصدع بين اليهود والعرب، القدس: كيتر وعـڤـريت، 2013، ص 394 (الترجمة العربية لهذا الكتاب، والتي أنجزها سليم سلامة، صدرت بعنوان “هبة البراق 1929 ـ سنة الصدع بين اليهود والعرب” عن مركز “مدار” في أيار 2018).
Below are share buttons

גליונות אחרונים

לכל הגליונות